الخميس، 16 مايو، 2013


الاقليات الدينية في العراق وتاريخ الاضطهاد الاجتماعي
موضوع العراق أنموذجا لموضوع الاضطهاد الاجتماعي في منطقة الشرق الاوسط والوطن العربي , ربما يكون موضوعا لكتابة بضعة أفكار قابلة للنقاش , ولكنه بالتأكيد لايفي بالمساحة التاريخية للموضوع, من حيث العمق الزماني للحدث وتحليل اسبابه ونتائجه والحلول المتوخاة من التطرق اليها..فالعراق بلد حافل بالتنوع العرقي والديني , والذي يحلو لبعضهم أن يسميه بالفسيفساء الجميل , والذي أراه بتسمية أخرى .....حيث كانت عصور تعاقب الدول على حكم العراق منذ الدولة الاموية والعباسية ومرورا بأسودها الفترة العثمانية ومن بعد الملكية والجمهوريات الحديثة , حافلة بالمشكل التاريخي لموضوع واقعية وجود العدالة الاجتماعية من عدمه وكيفية تحقيقيها على أرض الواقع ....ولكن تناول الموضوع في هذا الاثناء هو من الترف الفكري الحديث اي ما بعد 2003م ؛ حيث رحيل الغول الدموي ....وليس لاسباب الاثارة او ترسيخ الجراح ,وعلى الرغم من نفي وجود الموضوع في مخيلة كثير من الناس , الا  ان مرارة عيشه بالنسبة لاهله  لايمكن نكرانها او تجاهلها....                                                                                          
والعراق حافل بالاقليات الدينية والعرقية ولكن الاقليات الدينية هي الاكثر تماسا بالموضوع من الاقليات الاخرى..فقد عرف العراق الاسلام كدين رسمي للدولة ..بشقيه الاسلام العربي السني والاسلام العربي الشيعي الجعفري...فضلا عن أقليات دينية أخرى من مثل الديانة المسيحية والصابئة المندائية والازيدية واليهودية والبهائية والكاكائية..وملل أخرى  بعضها انتهت وذابت في المجتمع منذ زمن بعيد..      
 وحقيقة القانون المدني العراق ...قد كفل حرية المعتقد للاخرين بشكل واضح وصريح من قبل جمهور المسلمين العراقيين ولكن المسألة نسبية تماما عند جمهور الديانات العراقية الاخرى؛ بما توافر لديهم من ملاحظات كثيرة حول الموضوع.....
وكان ابناء الاقليات الدينية في العراق يحيون حياة تكاد تكون طبيعية الامتيازات كباقي ابناء البلد , من حيث موضوع الخدمات وتحصيل العلوم وحق السكن والعيش والتعليم وما الى ذالك ,وقد برز من تلك الاقليات علماء كبار وشخصيات ثقافية وفنية ورياضية... وضعوا بصماتهم في تاريخ العراق الحديث بشكل واضح لالبس فيه .....بل يحق لنا أن نفتخر بهم جميعا , ومن  بينهم عبد الجبار عبد الله عالم الفيزياء الصابئي ورفائيل بطي المؤرخ والاعلامي العراقي المسيحي وأحمد سوسه المؤرخ العراقي  اليهودي والاب انستاس الكرملي والمرحوم عموبابا......والقائمة تطول جدا جدا في مختلف الاختصاصات العلمية والانسانية.. ولامجال لحصرها في سطور معينة ..  وهذا مؤشر أيجابي على الحياة المدنية وتعايشها السلمي في العراق.                                                                                   
ولكن موضوع الاضطهاد الاجتماعي في العراق من الموضوعات الشائكة ,التي لم تحظ بأهتمام الباحث العراق والاكاديمي على حد سواء ولعقود طويلة من الزمن وربما ذالك متأت من قسوة الانظمة التي حكمت العراق ولا سيما العسكرية منها ؛ والتي أدت في النتيجة الحتمية الى اضطهاد الكلمة وقهرها في السجون الابدية المظلمة,وربما لاسباب أخرى منها المناهج الدراسية الجامعية ,وربما لحساسية الموضوع......                                                                         
 ويبدو ان تاريخ الاضطهاد الاجتماعي في العراق متعلق بامرين , اولهما متأت من تاريخ الاضطهاد السياسي للحاكم على المحكوم وفرض سياسته الشخصية على واقع الحياة ,وثانيهما من تداعيات الانظمة الدكتاتورية المتخلفة والتي افرزت طبقات جاهلة في المجتمع ابعدتها الانظمة عن التعليم والثقافة قسراً وحفاظا على كراسيها؛ فكان من نتائجها فقدان العدالة الاجتماعية في التعامل مع الاخر  , فضلا عن عوامل ثانوية اخرى في مقدمتها الفهم المغلوط للاخر و عدم قدرة كثير من رجال الدين والفكر على معالجة الموضوع بعيدا عن التقوقع الفكري التاريخي الذي اسرّ العراقيين لعقود طويلة جدا؛والافتقار الى الشجاعة العلمية في الحث الاكاديمي, والابتعاد عن ما مكرر من القول والبحث.. ..                                          
في أول الكلام  يعد ما تعرض له يهود العراق أبان الاربعينيات ومابعدها من القرن الماضي , امرا مشينا للغاية؛ حيث تعرضت هذه الفئة من المجتمع العراقي الى اقسى انواع الاضطهاد الاجتماعي ؛ بعد ما حلل له الاضطهاد السياسي ذالك ولاسيما بعد تداعيات قيام اسرائيل على الاراضي الفلسطينية ...وشعور بعض العراقيين بان اليهود في كل مكان لهم يد في ما يحدث على الاراضي العربية.. وكان يهود العراق يعيشون في مختلف جغرافية العراق وحيث مقامات انبيائهم كما هو معروف او اماكن عبادتهم , من الموصل وحتى ميسان وبغداد والانبار وبابل والنجف وصلاح الدين..., فضلا عن وجودهم في تاريخ العراق القديم ...هذا اذا تركنا وجودهم في بابل , اي التاريخ القديم جدا للعراق..هُجر اليهود من العراق 1948م وسحبت الجنسية عن اكثرهم وشهدت تلك الفترة شعارات غير  حضارية حقا ,كان في مقدمتها { مال اليهود فرهود } ,وفضلا عن تلك الحقبة السوداء من تاريخ الاضطهاد الاجتماعي ليهود العراق , فقد تناولهم المجتمع بمسميات اجتماعية اخرى .وهي لاتقل قساوة عن سابقتها ومنها { أأنت يهودي } وهو شعاريدل على  البخل و يحمل في طياته كلام اقرب للشتيمة من غيرها. ويستعمل عندما يختلف الناس في أمر معين ومازال يهود العراق يملكون معبدا واحد في شارع النهر /بغداد الرصافة ,ولا اتعقد بوجود من يرعاه أو يشرف عليه بشكل علني .                                                                                      
واذا كان يهود العراق قد تحملوا في التاريخ القديم والحديث  الحيف الكبير , فقد لقي نظرائهم من الديانة المندائية { الصابئة } حيفا اكبر من ذالك؛ مع انهم لم يشتركوا في واقعة سياسية معينة , تمهد الطريق لاضطهادهم , بل كانوا وعلى الدوام  جماعة مسالمة يعيشون في اراض واسعة من جغرافية العراق , ولاسيما عند مصبات الانهار ؛ حيث الارتباط الديني بينهم وبين المياه الجارية , ويمتهنون مهنا اغلبها من النوع الراقي ولاسيما صياغة الذهب ,فيما لم تتعرض هذه الفئة من العراقيين الى نفس القساوة الاجتماعية التي تعرض لها اليهود سابقا , الا انهم عاشوا عزلة اجتماعية كبيرة من المجتمع الذي تمنع عن مخالطتهم { لجاهلية دينية...}في كثير من المناسبات ؛ مما سبب قلقا مستمرا لديهم وكانت معاناتهم من العزلة كبيرة في مناطق ريف جنوب العراق , وتقل بنسبة كبيرة في المدن المتحضرة كما في بغداد والبصرة  الى حد ما....                                                                    مع افتراض عامل القلة العددية لهم عاملا مضافا, لاسباب الاضطهاد الاجتماعي , اوجب عليهم الانضمام الى العشائر المجاورة ولا سيما الكبيرة مما سبب لهم اضطهادا اجتماعيا كبيرا أخرا , حين شعروا بغياب القانون ووجوب الاحتماء بالعشيرة التي لاينتسبون اليها.....وحملت معها مسميات ذات دلالات أجتمعاعية بائسة ك {ذبابة جرش }                                                                        
  اما عن مسيحين العراق فلم يكتب لهم تاريخا طويلا من الاضطهاد الاجتماعي,, الا بعد بلوغ التيارات الدينية سدة الحكم في الدول العربية ومنها العراق ايضا ,وقبل هذا , كان قد اضمحل مع مرور الوقت عامل العزل الاجتماعي الديني على مسيحي العراق واندمجوا كثيرا في المجتمع وخاصة ؛ وهم يمثلون ثقلا سكانيا مهما ,وقد تقلدوا كثيرا من المسؤوليات الثقافية والعلمية والسياسية في البلد , الا انهم تعرضوا لموجة عارمة من الذبح والقتل والتهجير بعد 2003م جعلتهم يشعرون بعمق المأساة ومرارة التعايش السلمي ؛ويتركون وطنهم الاصلي الذي سكنوه قبل مجيء العرب المسلمين من الجزيرة العربية فضلا عن سكنهم الجزيرة العربية نفسها... ...فكان تغيير نظام الحكم في العراق وبالا عليهم, على الرغم من ان النظام السابق ضالع في تصفية بعض رجال الدين المسيحين .كما هو الحال مع الاب ( يوسف حبي) و الذي اختفى أيام النظام السابق في ظروف غامضة , أثناء سفره  الى الاردن ,وتناولت المعلومات  جناية أغتياله بحادث مروري مدبر تدبيرا, كوضوح الشمس للعيان...                                                                                  
اما الحديث عن أزيدية العراق , الذين يتمركزون في شمال العراق ولاسيما مدن  غرب الموصل ,فالحديث عن اشكالية تعايشهم في مجتمع متنوع كمجتمع العراق ؟   هو حديث طويل له متعلقات كثيرة ,ولاسيما ما يتعرضون له من أنتقادات اجتماعية جارحة تمس العقيدة !!!!..جعلتهم في كثير من الاحيان يعيشون بشكل مجتمعات مغلقة على نفسها , واعتقد ان هذا هو الحل الامثل في صد موجة الاضطهاد الاجتماعي , الذي يحل عليهم ضيفا ثقيلا في كثير من مدن العراق الاخرى ..وهم على شاكلت الديانة المسيحية حيث تعرضوا لموجة من القتل والتشريد والعنف بعد 2003م , كادت ان تقضي عليهم وسالت منهم دماء كثيرة جدا.على الرغم من توافق المجتمع على انهم مسالمون الى حد كبير جدا جدا...وقد نالوا أهمالا كبيرا في أيام النظام السابق , فيما لقي سياسيو الازديدية ,من أصحاب الفكر اليساري مصيراُ مظلماُ على يد النظام السابق..وهذا موضع لم يتطرق له الباحثون كثيرا ,وأقصد الباحثين من غير الازيدين...مع الاسف لذالك                                           
اما ما تعرض له الشيعة في العراق عموما, وخاصة الفيلين الاكراد منهم...فهو موضوع تاريخي ضارب في القدم ,يمتد بين الاضطهاد الاجتماعي والسياسي والديني في آن واحد ..مع كون تعداد هؤلاء اكثر بكثير من دول عربية معينة , ومسألة اضطهادهم في أرض الرافدين ليست بجديدة بل تمتد مع جذور التاريخ العربي الاسلامي في العراق..ومع ذالك فقد تمتعوا بكثير من حرياتهم الفكرية والاعتقادية ,ولاسيما في المناطق التي يمثلون بها غالبية سكانية , أثناء فترات سياسية معينة شهدت تحولا سياسيا عادلا في العراق... كماهو شأنهم في ايام الملكية او جمهورية عبد الكريم قاسم او بعد 2003م.وزمن عبد الرحمن عارف الى حد ما...  وتبقى السجون والاعدامات الجماعية شاهدا تارخيا كبيرا على محاولة السياسين الطائفيين في اذلال هذه الطائفة والتي شهدت تنوعا كبيرا في اساليب ايذائها على مرِّ التاريخ , وقد الُصقت بهم مسميات قاسية , كان الهدف منها تشويه تاريخ هذه الفئة والنيل الاجتماعي منها كما في استخدام كلمة {شروك } او { معدان } او { روافض } وهن من صنيعة النظام السابق عن قصد واضح و تعد عملا أخلاقيا مشينا ومعيبا..............                                                        
ان فتح الموضوع في هذه الفترة الزمنية الصعبة التي تمر بها منطقة الشرق الاوسط عموما والعراق خصوصا , لايحسب من قبيل أذكاء شعلة النار الخامدة ؛بل يحسب من باب توجيه العيان الى ضرورة معرفة أهمية المجتمعات المدنية وقدرتها على تشخيص العيوب , ومن ثمّ التعايش السلمي الحقيقي القائم على أحترام المقابل أولا , وثانيا تنبيه المجتمع العراقي على أخطاء قاسية قلّ الحديث فيها بل ندر ؛ لاسباب كثيرة وفي مقدمتها عدم قدرة العلوم الانسانية المتخصصة في هذا المجال على طرح تلك الاشكاليات بالشكل العلني ...لذا هي دعوة ثقافية فكرية من أجل اصلاح خارطة التعايش الحقيقي , من بعد التشخيص والتنبيه عليه وعلاجه .التعايش على قاعدة استقبال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام للمسيحين في مسجده والسماح لهم بتأدية صلاتهم داخل مسجده... او على اساس الجملة الماسية العظيمة لعلي بن ابي طالب في قوله الناس صنفان اما أخ لك في الدين او نظير لك في الخلق.....فانظر ايها الباحث عمق المعاني في تلك المقولة.... وهي فرصة كبيرة لاصحاب الدراسات الاكاديمية من أجل البحث في موضوعات اكاديمية تطور الدراسات العليا وتبعد المكتبة عن الترهل العلمي في العنوانات الجامعية...وتنأى عن المناهج الخشبية التي أسرت الطالب الباحث ووضعته في دوامة البحث المكرر والقول المعاد...                                                                                                                       .                        
جمال حسين مسلم        
Jamalleksumery.blogspot.co.at
    

                                                               

  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق