الخميس، 13 أغسطس، 2015

أردوغان ونهاية أحلام السلطنة ....بقلم أمين أبوراشد



إذا كان على رجب طيِّب أردوغان أن يواجه التحدِّي خارج الحدود لمواجهة داعش وحزب العمال الكردستاني واستحداث منطقة عازلة في الشمال السوري لإعادة ترحيل اللاجئين السوريين إليها، 


ومواجهة نار الإرهاب التي بدأت بالتهام الداخل التركي، فإن الوضع السياسي الذي يطوِّقه يبدو أخطر بكثير على مستقبل من يمتلك عقلية السلطان ويعمل على عرقلة تشكيل حكومة إئتلافية خلال المهلة القانونية التي تلت الإنتخابات البرلمانية الأخيرة، سعياً منه الى إجراء إنتخابات مبكِّرة، تُعيد الغالبية في البرلمان الى حزب العدالة والتنمية، وبالتالي تفتح أمامه الطريق لتشكيل حكومة أغلبية لإعادة طرح النظام الرئاسي وتأمين الهيمنة المطلقة لنفسه أسوةً بطموحات السلاطين.  

ليست مشكلة أردوغان الوحيدة بأن يأتلف حزب العدالة والتنمية مع حزب الشعب الجمهوري رغم أن هذا الحزب يشترط الحصول على وزارتي الداخلية والخارجية، وقد تمّ يوم أمس الإثنين عقد إجتماع بين الحزبين دام خمس ساعات دون التوصل الى أية نتيجة، وذلك قبل أسبوعين من انتهاء المهلة القانونية لتشكيل حكومة ما بعد الإنتخابات البرلمانية يرأسها حزب العدالة والتنمية الحاكم.

مشكلة أردوغان وحزبه هي مع "حزب الشعوب الديموقراطي" الكردي الذي دخل البرلمان التركي للمرة الأولى بثمانين نائباً، مع ما كان لهذه النتائج من ارتدادات إيجابية على واقع الأكراد سواء داخل تركيا أو على حدودها مع سوريا والعراق، مما دفعهم وسيدفعهم الى المزيد من المطالبة بحقوقهم وصولاً الى حكمٍ ذاتي أو دولةٍ مستقلة تدعمها أميركا وترفضها تركيا جملة وتفصيلاً، والفوز الذي حققه حزب الشعوب الديموقراطي هو الذي حدا بأردوغان الى شنّ الحرب مجدداً على حزب العمال الكردستاني بعد سنتين من السلام الهشّ، سلامٌ استحصل عليه أردوغان من زعيم الحزب المعتقل لديه عبدالله أوجلان، وعلى أساسه سَحَب حزب العمال معظم مقاتليه من الداخل التركي على أمل تحقيق إصلاحات تُنصِف الأكراد في الداخل التركي ولم يتحقَّق شيء من هذه الإصلاحات.

كما أن ورطة أردوغان هي في عدم رضاه عن أحمد داود أوغلو كزعيمٍ للعدالة والتنمية وبالتالي لرئاسة الوزراء، وهو ينتظر المؤتمر العام لهذا الحزب بحلول سبتمبر/ أيلول المقبل لإزاحة أوغلو ودعم شخصية أخرى، إضافة الى العراقيل التي يضعها حالياً لمنع تشكيل حكومة إئتلافية، ويحاول منذ انتهاء الإنتخابات البرلمانية منع ولادتها لأنها ستفتح عليه ملف الفساد الذي يطال أقرب المقربين منه وفي طليعتهم نجله، إضافة الى مطالبة الحكومة العتيدة بوقف مغامرات أردوغان الخارجية وتدخُّله بشؤون الدول الأخرى وفي طليعتها سوريا وتليها مصر التي ناصبها العداء دفاعاً عن "الأخوان"، إضافة الى أن الحكومة الإئتلافية ستكون حجر عثرة يمنع أي استفتاء على نظام رئاسي وتقضي على الحلم الأساسي لأردوغان.

كما أن "الربيع القادم  على تركيا ليس أقلّ خطورة من "ربيع العرب"، لأن تركيا سوف تدفع ثمن جنوح أردوغان نحو إعادة مجد السلطنة على رماد الغباء العربي خاصة عبر عدوانه المتمادي على سوريا باستيراد الإرهابيين وتدريبهم وتصديرهم إليها مع كامل عدَّتهم وعتادهم، وإذا كانت داعش تؤمن له الساعد الأيمن لمحاربة حزب العمال الكردستاني لمنع تمدُّد هذا الحزب بين تل أبيض وعفرين وبالتالي حرمان أردوغان من إقامة المنطقة العازلة فإن النصرة انسحبت يوم أمس من قتال داعش في الشمال السوري كي لا تحقق رغبات أردوغان في التمدُّد نحو سوريا.

وبالعودة الى الداخل التركي، فإن الأعمال الإرهابية والتفجيرات في اسطنبول والجنوب الشرقي التركي يوم أمس هي البدايات، سواء جاءت من داعش أو المنظمات اليسارية أو من حزب العمال الكردستاني، وتُنذر بأن تركيا قد دخلت جحيم "الربيع" الذي أسهمت في إشعاله، مع تواجد الآلاف من المقاتلين والإرهابيين والمعارضين السياسيين على امتداد المدن التركية.

والوضع السياسي لأردوغان ليس أقل حرجاً من الوضع العسكري والأمني داخل بلاده وعلى حدودها، لأنه أمام ثلاثة خيارات أحلاها مرّ بالنسبة لمستقبله المنظور:

أولاً: إستحالة تشكيل حكومة إئتلافية برئاسة العدالة والتنمية خلال مدة الأسبوعين المتبقية من المهلة الدستورية المحددة بخمسة وأربعين يوماً من انتهاء الإنتخابات البرلمانية.
ثانياً: عرقلته لتشكيل حكومة إئتلافية برئاسة أيٍّ من أحزاب المعارضة لأن فتح ملف فساده الداخلي وتورُّطه الخارجي وتوريط تركيا معه ليس من مصلحته.
ثالثاً: دعوته الى انتخابات نيابية مبكرة لن تعيد الأغلبية لحزبه، خاصة أن العرق القومي الكردي قد انتفض أكثر من ذي قبل بعد حرب أردوغان على الأكراد في الداخل والخارج، وعودة العدالة والتنمية منفرداً الى الحكم إن حصلت فسوف تُشعل ناراً تركية- كردية لن تنطفىء قبل حصول الأكراد على الحكم الذاتي.

وبالمحصِّلة فإن أردوغان وفق استطلاعات الرأي، سيكون أمام فشلٍ مؤكَّد في استعادة الغالبية البرلمانية، وبالتالي تشكيل حكومة يتفرَّد بها حزب العدالة والتنمية، وستعيش تركيا مخاضاً عسيراً على المستوى الأمني والسياسي، إلى أن يُجيز الدستور للجيش استعادة هيبته التي نزعها عنه أردوغان بوضع يد الحكومة عليه منذ أكثر من ثلاث سنوات، ويعود هذا الجيش الى الإمساك بزمام المبادرة ويصرخ بأردوغان وبسواه من "الإسلاميين" المقنَّعين بالدين : الأمر لي، ويخضع السلطان لمشيئة الجيش ولقدره المحتوم، نتيجة ما ارتكبه من مجازر عجز عنها أجداده السلاطين...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق